Make your own free website on Tripod.com

    

 

أفكار دونان اختبار الزمن

 

لم يكتف هنري دونان في كتابه (( تذكار سولفرينو )) بوصف معركة رهيبة و سرد أحداث الأيام التالية و الدور الذي قام به في تلك الأيام ، و لكنه قدم أيضاً أفكاراً و مقترحات للمستقبل ، تستهدف منع تكرار المعاناة  التي شهدها في سولفرينو  إن تلك الافكار و المقترحات الجريئة  و المتواضعة في الوقت ذاته و السرعة التي تحققت بها هي التي حولت كتاب دونان إلى ما هو أكبر من مجرد حكاية أخرى عن الحرب و هي التي تجعل هذا الكتاب اليوم أيضاً جديراً بالقراءة و لا غنى عنه لفهم المنظمة العالمية التي تحمل اسم (( الصليب الأحمر و الهلال الأحمر )) 0

و الاقتراحات  التي أعلنها دونان كانت تستهدف أمرين : أن تنشأ في جميع البلدان                                       (( جمعيات طوعية للإغاثة )) الغرض منها أن تقدم في وقت الحرب العناية للجرحى ، من جهة و من جهة أخرى أن يصاغ (( مبدأ دولي  ، تعاقدي و مقدس )) يكون أساساً و سنداً لجمعيات الإغاثة فما الذي آلت إليه هذه المقترحات بمرور الزمن منذ ذلك الوقت 0

في عام 1863 أي بعد مرور أربع سنوات من معركة سولفرينو و بعد عام واحد من نشر كتاب دونان قامت لجنة خاصة تتألف من الجنرال ديفور ، و غوستاف موانييه ، و الطبيبين تيودور مونوار و لوي أبيا ، و هنري دونان نفسه ، بتنظيم مؤتمر في جنيف اشترك فيه ممثلو 16 بلداً ، و أوصى هذا المؤتمر بإنشاء                                (( جمعيات وطنية للإغاثة )) و طلب إلى الحكومات أن تمنح الحماية و المساندة لهذه الجمعيات ، و أعرب المؤتمر علاوة على ذلك عن أمله في أن تعلن الدول المحاربة منذ وقت السلم حياد المعازل الصحية و المستشفيات الميدانية أي لا يجوز مهاجمتها و أن تمتد هذه الحماية لتشمل الموظفين الصحيين بالجيوش و المساعدين الطوعيين و الجرحى أنفسهم ، و أن تختار الحكومات علامة مميزة مشتركة للأشخاص و الأعيان الذين يمنحون الحماية 0

و في 1864  عقد المجلس الاتحادي السويسري ( مؤتمراً دبلوماسياً ) في جنيف شارك فيه مندوبون مفوضون من 16 بلداً ووضع ذلك المؤتمر (( اتفاقية جنيف لتحسين حال العسكريين الجرحى في الجيوش في الميدان )) التي وقعت في 22 اب من العام نفسه  ، و تم التصديق عليها خلال السنوات اللاحقة من قبل جميع الدول تقريباً ، و حققت هذه الاتفاقية الآمال التي أعرب عنها مؤتمر عام 1863 و ثبتت المبدأ الهام الحاسم بالنسبة للعمل في مجموعه  - الذي ينص على وجوب جمع العسكريين الجرحى و المرضى و معالجتهم ( بدون تمييز على              أساس الجنسية ) ووقع الاختبار على شارة لضمان الحماية و المساعدة المقررتين ، عبارة عن صليب أحمر على أرضية بيضاء و هو معكوس العلم الوطني السويسري تكريماً لسويسرا 0

 و على أساس القرارات التي اتخذها مؤتمر 1863 و اتفاقية جنيف تطورت شيئاً فشيئاً المنظمة الإنسانية المسماة الصليب  و الهلال الأحمر الدولي ، و كذلك العمل التعاقدي العظيم المعترف به عالمياً و الذي يتمثل في اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب ، منظمة عالمية من جهة ، و عمل تعاقدي من جهة أخرى : إن المساعدة الإنسانية و الحماية القانونية تسيران معاً و تكمل إحداهما الأخرى ، و هما تشكلان معاً القوة التي تعني في أشد المصائب الحماية و التشجيع و المواساة لآلاف الأشخاص 0

كانت ( لجنة الخمسة ) قد قامت حتى قبل عقد اتفاقية جنيف مع الاحتفاظ بطابعها السويسري ، بتشكيل ( لجنة دولية لإغاثة  العسكريين الجرحى )  أخذت فيما بعد اسم (( اللجنة الدولية للصليب الأحمر )) عملت على التشجيع على إنشاء جمعيات وطنية للصليب الأحمر و تسهيل عملها المشترك و التدخل في وقت الحرب كهيئة محايدة لضمان حماية ضحايا الحرب و تقديم العون لهم حيثما تقتضي الحاجة ذلك و إبان الحربين العالميتين اهتمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمصير أسرى الحرب فزار مندوبوها المعسكرات ، و أنشأت اللجنة وكالة مركزية للاستعلامات في جنيف تولت نقل ملايين الأخبار بين الأسرى و عائلاتهم ، و إبان الحرب العالمية الثانية ، وسعت اللجنة نشاط الحماية و المساعدة الذي تقوم به ليشمل الأشخاص المدنيين ، و لا سيما المحتجزين المدنيين أسهمت اللجنة الى جانب ذلك في تطوير و استكمال اتفاقيات جنيف و يرجع الفضل في عمليات مراجعة و تنقيح النصوص و الاحكام الجديدة التي تم قبولها في عامي 1929 و 1949  و التي سنتحدث عنها فيما بعد ، إلى مبادرات اللجنة الدولية بصورة أساسية 0

و سرعان ما انشئ عدد كبير من الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر بعد عام 1863 /1864 ثم بعد ذلك سار معدل إنشاء جمعيات جديدة مع نشوء المنازعات و يتجلى  نمو الحركة خارج حدود اوربا في أنه إلى جانب جمعيات       (( الصليب الحمر )) أنشئت جمعيات (( الهلال الحمر )) التي اتخذت الهلال الأحمر شارة لها ، و اليوم تشكل 180 جمعية وطنية تضم أكثر من 250 مليون عضو و موظف جزءاً من الحركة الدولية  للصليب الأحمر و الهلال الأحمر ما يزيد على 60 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 10 و 18 سنة 0

و تجاوز نطاق نشاط الجمعيات الوطنية كثيراً إطار المهام التي حددها دونان و مؤتمر 1863 و انطلاقاً من المساعدات الطبية ( لخدمة العسكريين الجرحى و المرضى ) تطورت المساعدة التي تقدم لجميع ضحايا الحروب إذ يستفيد منها الآن الأسرى و المدنيون الجرحى و المرضى و المحتجزون و المبعدون ، و الأشخاص المرحلون و المشردون ، و سكان المناطق المحتلة ، و اللاجئون 0

و اقتضى تطور العمل الذي أنجزه الصليب الأحمر و الهلال الأحمر في أوقات الحرب توسيعاً لمهام وقت السلم : إن الأشخاص الذين قدموا معاونتهم للصليب الأحمر و الهلال الأحمر و قاموا بأعمال قيمة في أوقات الكرب ، لا يريدون أن يبقوا غير عاملين ، و ينبغي ألا يكونا كذلك  بل إن عليهم على العكس من ذلك أن يكون بمقدورهم أن يسهموا في تنفيذ المهام الإنسانية التي تفرض نفسها كل يوم سواء في البلدان الصناعية أو  بلدان العالم الثالث ، و هكذا نظم       ( عمل السلم ) الذي تقوم به الجمعيات الوطنية و تطورت أنشطتها لمساعدة المرضى و الجرحى و المعوقين ، و كذلك أعمالها من أجل المسنين و الأطفال و ضحايا الكوارث التي تقع في البلد نفسه أو في الخارج و جاء ليضاف إلى هذه المهام الطبية الاجتماعية في وقت السلم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى نشاط شبيبة الصليب الأحمر و الهلال الأحمر الذي يعد الشباب للمساعدة و الخدمة و يتجه كذلك الى غرس روح التفاهم و الصداقة فيما بين الشباب من جميع الأمم 0

و منذ عام 1919 اتحدت الجمعيات الوطنية للصليب الاحمر و الهلال الأحمر في اتحاد عالمي هو رابطة جمعيات الصليب الأحمر و الهلال الأحمر التي أصبحت الان تعرف باسم (  الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر و الهلال الأحمر  ) و على خلاف اللجنة الدولية للصليب الأحمر ( التي لا تضم عضويتها سوى مواطنين سويسريين ضماناً للاستقلال و الحياد و عدم التحيز ) يشكل الاتحاد محفلاً يلتقي فيه ممثلوا الجمعيات الوطنية من جميع البلدان على قدم المساواة من أجل تقاسم خبراتهم و تبادل العون وتتمثل المهام الأساسية للاتحاد في تشجيع تنمية الجمعيات الوطنية العديدة الحديثة التكوين و حفز و تنسيق أنشطة  كافة الجمعيات الوطنية ولا سيما أعمال الإغاثة في حالات الكوارث الطبيعية 0

و في عام 1928 اتحدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع الاتحاد الدولي و الجمعيات الوطنية في  تنظيم (( قمي )) يحمل اسم (( الصليب الأحمر الدولي )) و قد اصبح يسمى الآن (( الحركة الدولية للصليب الاحمر و الهلال الأحمر )) و يحدد النظام الأساسي لهذا التنظيم اختصاصات اللجنة الدولية و الاتحاد الدولي و علاقاتهما المتبادلة : و هو ينص على تنظيم ( مؤتمر دولي ) يحضره ممثلو الجمعيات الوطنية المعترف بها و اللجنة الدولية للصليب الأحمر و الاتحاد الدولي  و الدول المنضمة إلى اتفاقيات جنيف و يكفل المؤتمر الدولي وحدة جهود جميع أجهزة الحركة 0

و كما تغيرت هذه المؤسسات بمرور السنين وفقاً للاحتياجات الجديدة فإن اتفاقية جنيف لعام 1864 تكيفت هي الأخرى للظروف و جرى استكمالها بصكوك جديدة فها هو مؤتمر لاهاي الأول للسلام ( 1899 ) يعتمد اتفاقية جديدة بعنوان ( تكييف مبادئ اتفاقية جنيف لعام 1864 للحرب البحرية ) و روجعت اتفاقية 1864 في عام 1906 و اشير فيها للمرة الاولى إلى جمعيات الإغاثة الطوعية ، و اعتمد مؤتمر لاهاي الثاني للسلام ( 1907)                           (( لائحة قوانين و أعراف الحرب البرية )) و قد حظر هذا الصك استعمال وسائل الحرب التي تسبب آلاماً شديدة و غير مجدية و يفرض معاملة أسرى الحرب بطريقة إنسانية ، و مراعاة حقوق أساسية معينة لسكان الأقاليم المحتلة و في عام 1929 اجتمع مؤتمر دبلوماسي بدعوة من المجلس الاتحادي السويسري لمراجعة اتفاقية جنيف لعام 1906 و اعتمد ( اتفاقية جنيف المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب ) التي أكملت وحددت الالتزامات التي تضمنتها ( لائحة لاهاي بشأن الحرب البرية )  آخذه في الاعتبار خبرات الحرب العالمية الأولى و أخيراً ففي  عام 1949 عقد مؤتمر دبلوماسي آخر اجتمع أيضاً بدعوة من الحكومة السويسرية و اضطلع بمراجعة معمقة لصكوك جنيف السارية و أضاف إليها صكاً آخر هو ( الاتفاقية المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب ) و تتناول هذه الاتفاقية التي تتصل أيضاً بلائحة لاهاي للحرب البرية  مجالات جديدة : فنجد أحكاماً تتعلق بحماية المستشفيات المدنية ووسائط النقل الطبي المدنية ، و انشاء مناطق صحية و مناطق مأمونة و المركز القانوني للأجانب في أراضي أطراف النزاع ، و معاملة المحتجزين المدنيين و سكان المناطق المحتلة ، و هناك عامل مهم آخر هو أن اتفاقيات جنيف الاربع لعام 1949 يجب أن تطبقها الدول الأطراف في جميع حالات النزاع المسلح سواء كانت حالة الحرب قد أعلنت او لم يعترف بها أحد الأطراف ، ومن ناحية أخرى يتعين مراعاة بعض الالتزامات الأساسية في حالات النزاع المسلح الذي ليست له صيغة دولية( حرب اهلية )  و يجري في أراضي أحد الأطراف  المتعاقدة و في نهاية كانون الاول 1993 كانت 185 دولة من بينها جميع الدول الكبرى قد أصبحت اطرافاً في الاتفاقيات الأربع و استكملت هذه الاتفاقيات في عام 1977 في ختام مؤتمر دبلوماسي لتأكيد و تطوير القانون الدولي الإنساني المنطبق في المنازعات المسلحة 0 اجتمع في أربع دورات ابتداء من عام 1974 في جنيف بناء على دعوة من المجلس الاتحادي السويسري باعتماد بروتوكولين إضافيين يتناول الاول المنازعات المسلحة الدولية و الثاني المنازعات المسلحة غير الدولية 0

و إلى جانب أحكام حماية  و مساعدة الجرحى و المرضى و الأسرى يتضمن البروتوكولان اللذان يتكونان من 130 مادة قواعد تتعلق بإدارة الحرب و تتوخى بالدرجة الاولى تجنب الآلام غير المجدية و تعزيز حماية السكان المدنيين من آثار الحرب ، و فتح البروتوكولان الإضافيان أمام الدول الاطراف في اتفاقيات جنيف في كانون الاول 1977 للتوقيع و التصديق أو الانضمام  و في نهاية كانون الأول 1993 كانت 130 دولة قد أصبحت أطرافاً في البروتوكول الأول و 120 أطرافاً في البروتوكول الثاني 0

و في السنوات القادمة ستواجه  الجمعيات الوطنية للصليب الاحمر و الهلال الأحمر و اللجنة الدولية و الاتحاد مهام كبرى و مشكلات صعبة و الشرط الأساسي الذي سيسمح بحلها هو أن تهتدي هذه المؤسسات بروح اتفاقيات جنيف و مبادئ الصليب الأحمر و الهلال الاحمر : بروح الإنسانية غير المشروطة و العون النزيه غير المتحيز و سيكون من الضروري مراعاة مبدأ الحياد الذي يحظر على الحركة أن تتدخل في الاعمال العدائية و الخلافات السياسية و المذهبية ، إن الإنسانية و عدم التحيز و الحياد هي الضمان الذي يكفل وحدة  و عالمية الحركة التي لن تجد القوة لأداء رسالتها الإنسانية ما لم تظل منظمة متحدة عالمية النطاق 0